أخبار وطنية بشرى بلحاج حميدة وسلسبيل القليبي تتحدّثان عن حقوق النساء في ظلّ الدستور الجديد والتهديدات المحتملة، وكيفية "مقارعة" الفصل الخامس
في الذكرى 66 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية، نظمت جمعية أصوات نساء ندوة إفتراضية حول حقوق النساء في ظل دستور 25 جويلية 2022 بحضور كل من سلسبيل القليبي أستاذة القانون العام وبشرى بلحاج حميدة الناشطة النسوية والحقوقية وأميمة مهدي الباحثة في القانون.
وتمّ في هذه الندوة التي تابعها موقع الجمهورية، تمّ التعرّض إلى العديد من المسائل التي تعنى بجانب الحقوق والحريات المضمّن بالنص الدستوري الجديد خاصة في ما يتعلّق بحقوق ومكاسب المرأة في تونس، إلى جانب تسليط الضوء على استفسارات تخصّ الاليات والضمانات الكفيلة بترسيخ الحقوق والحريات وتدعيم المكاسب وحمايتها فضلا عن الحديث عن الفصلين الخامس والخامس والخمسين المضمنين بالدستور الجديد...
وحول الإجابة عن سؤال لماذا لم تتحقق المساواة بين النساء والرجال في تونس بعد 66 سنة من إصدار مجلة الأحوال الشخصية خاصة في ظلّ كل النضالات النسوية غير المشروطة؟ كانت البداية مع الحقوقية بشرى بلحاج حميدة التي أكّدت في مداخلتها بأنّ طرح مثل هذه الإشكالية لن يكون مقتصرا على تونس فقط بل على عدة بلدان يُحسب فيها تحقيق الديمقراطية وتدعيم المكاسب على اعتبار التمييز القائم فيها حتى على مستوى القوانين.
واعتبرت بلحاج حميدة أنّ معركة تحقيق المساواة ليست هيّنة، مؤكدة بأنّ نجاحها رهين توفّر ثلاثة عناصرأساسية أوّلها يتمثّل في وجود إرادة وطنية سياسية واضحة وجليّة ومستمرة في مواقفها وتكون على "اقتناع" بتحقيق المساواة التامة وليس بالقيام فقط ببعض الإصلاحات...
والعنصر الثاني يتطلب انفتاح كلّ المتدخلّات والمتدخّلين على هذه المسألة سواء على مستوى الاعلام أو السلطة القضائية أو المجتمع بصفة عامة، أما العنصر الثالث فهو يتبلور في الدور الفعّال للمجتمع المدني الذي لن يكون ناجعا إلّا عن طريق توحّد مطالبه ورسم استراتيجية أو خارطة طريق واضحة في هذا المجال.
وأضافت حميدة "عند العودة للثلاثة عناصر المتحدّث عنها نجد أن الدولة التونسية ورغم أنها تُعتبر دولة نسوية بالمفهوم التقليدي لها منذ الإستقلال، لكننا نرى منذ سنة 2019 تراجعا عن هذا المنهج الإصلاحي سواءَ كان تشريعيا أو إداريا أو سياسيا لتدعيم مكاسب المرأة ومزيد تطويرها... بل بالعكس فحتّى الخطاب الصادر عن رئاسة الجمهورية منذ سنة 2019 كان خطابا يسير نحو تعطيل مسيرة المساواة وتدعيم المكاسب، خاصّة وأنّ الكلّ يعلم موقف الرئيس قيس سعيد -الذي كان من المستحسن عدم الإفصاح عنه- بشأن مسألة الميراث فضلا عن تصريحاته التي تنزع نحو تقسيم النساء إلى مصنّفات مختلفة غريبة دون الوعي باختلاف أشكال النضالات النسوية التي تتجّلى في عديد من الصور من بينها صورة المرأة الكادحة في تربية أبنائها وقيامها لوحدها بشؤون المنزل".
في ذات السياق، بيّنت بشرى بلحاج حميدة أنّ مسألة عدم تطوير مكاسب المرأة في تونس يرجع كذلك إلى عدّة عوامل من بينها عدم اهتمام مجلس النواب السابق بهذا الجانب وتسجيل غياب كلّي لخطاب يدفع نحو هذا الاتجاه على عكس الحضور غير المسبوق للخطاب الرجعي والممارسات العنيفة ضد المرأة داخل البرلمان قولا وفعلا وهو ما مثّل جدارا يحجب طرق السير نحو تطوير وتدعيم مكاسب النساء..
تعب وخذلان... واستمرار استثمار المرأة كمجرّد شعار دعائي لتحقيق مكاسب وغايات سياسية
وتواصل الحقوقية مداخلتها قائلة "رغم تمسّك المجتمع المدني بهذه المعركة وتشبّثه بها إلّا أنه وللأسف شعر بالتعب والخذلان وسط حملات التجييش المتواصلة ضدّه والهادفة إلى تهميشه خاصة في ظلّ عدم توحّد الحركات المطالبة بالمكاسب النسوية، إلى جانب تراجع الأصوات والحركات الحقوقية والحزبية المؤمنة بهذه القضية قياسا مع السنوات الماضية خاصة إبان سنة 2013 وهو ما يدلّ على استغلال واستثمار المرأة كمجرّد شعار دعائي لتحقيق مكاسب وغايات سياسية لا غير".
وأضافت المتدخّلة بأنّ سبب عدم عرض مشروع قانون المساواة في الميراث على أنظار الجلسة العامة البرلمانية يعود أيضا إلى سعي كل الأحزاب السياسية دون استثناء الى عدم تمريره على أنظار الجلسة العامة، وذلك إمّا خوفا منهم من فقدان قاعدتهم الإنتخابية في صورة المصادقة عليه أو خشية لفقدانهم مصداقيتهم "الوهمية" في صورة إسقاطه وعدم تمريره معتبرة أنّ الحسابات الضيقة والانتخابية جعلت من هذه الأحزاب لا تقف إلى جانب حقوق النساء.
وسائل التواصل الإجتماعي على صفيح العنف
في ذات السياق تطرّقت الحقوقية بشرى بلحاج حميدة إلى الخطاب اللفظي العنيف الذي باتت تتسّم به وسائل التواصل الإجتماعي خاصة ضدّ المرأة ومن حملات تحريضية وتجيييشة وصلت حدّ التهديد العلني بارتكاب جرائم خطيرة وهو ما يتناقض مع كل ما حمله قانون القضاء على العنف ضد المرأة من تجريم لمثل هذه الممارسات صلب إجراءاته الوقائية.
وضربت بلحاج حميدة في هذا الإطار مَثل ما عُرف بـ"قضية الممثّلة" وما فضحه من ممارسات خطيرة تمثّلت في "السموم" اللفظية التي تمّ قذفها في هذا الفضاء الذي يبدو أنّه قد تحوّل إلى خطر حقيقي يهدّد مكاسب النساء ويضرب حقوقهن، مؤكدة بأنّ عدم التطبيق الجدّي للقانون المذكور خاصة في الجانب الوقائي منه ساهم في تكريس مثل هذه الخطابات الرجعية التي يتم بثها على المنصات الافتراضية.
ونوّهت الحقوقية والنائبة السابقة بما تعرّضت له على خلفية مواقفها من تهديدات خطيرة من قبل أحد مناصري الرئيس والذي وصل به الأمر الى الدعوة العلنية لاغتصابها!
وأضافت "اليوم بتنا نعيش على وقع ممارسات جسيمة يُفلت أصحابها من العقاب بعد أن حسبوا أنفسهم أنّ باستطاعتهم فعل ما يشاؤون وممارسة العنف كما يرغبون دون حسيب أو رقيب."
ما بين الفصل الأوّل والفصل الخامس من الدستورين
من جهة أخرى تطرّقت الحقوقية بشرى بلحاج حميدة في مداخلتها إلى الفرق بين الفصل الخامس المضمّن بالدستور الجديد والفصل الأول صلب دستور 2014، معتبرة أنّ الأخير لم يكن يشكّل أيّ حاجز ضدّ القيام بالإصلاحات التي من شأنها مزيد ترسيخ وتدعيم المكاسب خاصة وأنه لم يحدّد تونس كدولة إسلامية بل ذكرها كدولة حرّة مستقلة ذات سيادة، ويضيف الفصل الثاني الذي تلاه بأنّها دولة مدنية تقوم على المواطنة وعلى إرادة شعبها التونسي.
وهو على عكس ما ورد في الفصل الخامس الذي تحدّث عن تونس كونها جزء من الامة الاسلامية وعلى الدولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام ما يعني مسألة دسترة الشريعة التي لطالما حاربتها ووقفت ضدّها القوى الديمقراطية والتقدمية.
كما نوهت بلحاج حميدة بما جاء في توطئة الدستور السابق من مسائل اعتبرتها هامة وأساسية غابت عن توطئة دستور 2022، حيث تحدثت توطئة الدستور السابق عن تعاليم الاسلام ومقاصده المتسمة بالاعتدال والتفتّح وبالقيم الانسانية وبمبادئ حقوق الانسان الكونية السامية معتبرة ان تضمين مقاصد الاسلام في اطار المبادئ الكونية لحقوق الانسان ينهي كل مشاعر التوجّس والخشية على الحقوق والحريات زد على ذلك مصادقة الدولة التونسية على أغلب الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الانسان لكن هذا الأمر قد غاب عن الدستور الجديد فضلا عن عدم التنصيص على مدنية الدولة.
وخلصت بلحاج حميدة مداخلتها بالقول "معركة الوصول إلى المساواة الفعلية بين المرأة والرجل مازالت طويلة وطريقها لم ولن يكون معبّدا، لكن ينتابك القلق عند الشعور بأنّ الدولة لا تقف إلى جانبك"..
سلسبيل القليبي... مكاسب المرأة لم تكن يوما محسومة
من جهتها تساءلت سلسبيل القليبي أستاذة القانون العام في مداخلتها عن أسباب تواصل التأكيد على المسائل التي تتعلّق بحماية مكتسبات المرأة من الانتكاس سواء في دستور 25 جويلية 2022 وما قبله من دستور 27 جانفي 2014 عوض المرور إلى التنصيص على مكاسب تدعيمية أخرى، معتبرة في هذا السياق انّ مسألة مكاسب المرأة لم تكن يوما محسومة.
واعتبرت القليبي أنّ الشعور الدائم بخطر تعرّضّ هذه المكاسب للانتكاس يمثّل مشكلا حقيقيا متواصلا حتّى بعد انتهاء الهاجس الذي عاشته النساء وكل الحقوقيات والحقوقيين خلال المرحلة التأسيسية سنة 2011 التي مهّدت صدور دستور 2014، هاجس المساس من النموذج المجتمعي الذي يميّز تونس عن بقية المجتمعات الأخرى في المنطقة العربية.
وبيّنت القليبي بأنّ فكرة وضع دستور جديد لطالما فتحت الأبواب على كل الاحتمالات لعلّ من بينها العودة الى الصفر والتراجع عن كل المكتسبات وهو الذي حاولت إدراكه حركة النهضة تحقيقا لما يعرف بـ tabula rasa لهدف الرجوع إلى الصفر وإلى صفحة بيضاء لا محتوى ولا حديث فيها عن مكتسبات سابقة...
وذكّرت أستاذة القانون العام بمحاولات الأولى لحركة النهضة في هذا الإطار والمتمثّلة آنذاك في سعيها الى التخلي عن مبدأ المساواة وتعويضه بمبدأ التكامل وكان ذلك عن طريق مشروع القانون الذي قدمته سنة 2012 الى المجلس الوطني التأسيسي والذي تراجعت عنه لجنة "الحريات والحقوق" في أوت من ذات السنة على وقع احتجاجات وتظاهرات 13 أوت 2012.
مسار بُني على خلفية موقف عدائي واضح ومستمر من دستور 2014 "الشرّ المحض"
وبيّنت المتحدّثة بأنّ "عددا هاما من التونسيين متخوفون اليوم مما سيفرزه هذا النص الدستوري الجديد من نتائج خاصة وأنّ مساره التأسيسي السريع والإنفرادي بُني على خلفية موقف عدائي واضح ومستمر من دستور 2014 الذي أتى به وهو ما عكسته خطابات الرئيس المتواترة والحاملة لذات المضمون في ما يتعلق بالدستور المذكور من قبيل (دستور العشرية السوداء، دستور البيع والشراء، دستور قدّ على مقاس)"، معتبرة بأنه وقع بناء وترسيخ ذهنية مسبقة لدى التونسيين تهدف إلى قبول نص الدستور الجديد والترحيب به وعدم القيام بأيّ مقاومة تجاه قرار التخلي عن الدستور القديم لاعتبارهم بأن الجديد لن يكون أسوء من الدستور الذي سيخلفه.
وحذّرت القليبي من مغبّة هذه الذهنية وطريقة التفكير الجديدة التي تنزع عن التونسيين البعد النقدي وتنسف قدرتهم على وضع مسافة بينهم وبين هذا النص لقراءته قراءة عقلانية لا إنفعالية، وتذهب بهم إلى اعتبار مسار بنائه وهو الإستفتاء بمثابة المخلّص ممّا وقع الترويج إليه بأنه "الشرّ المحض" توصيفا للدستور السابق...
وعودة إلى السؤال المتعلّق بأسباب عدم تحقق المساواة بين النساء والرجال في تونس رغم مرور 66 سنة من إصدار مجلة الأحوال الشخصية، قالت الجامعية سلسبيل القليبي إنها ستضيف له سؤالا آخر مفاده "لماذا في كل مفترق طرق نشعر أنّ كل ما قمنا به من مكتسبات سيتم هدمها ونسفها؟ معتبرة أنّ الجواب عن الإشكاليتين يتلخّص في انتفاء قناعة تشريعية تتبنى قضية المرأة وتؤمن بأنّها تمثّل قضية مجتمع برمته على اعتبار ان حقوق المرأة هي مسألة حاسمة في بناء المجتمع وتماسكه وتهم كل الاطياف.
وشدّدت القليبي على ضرورة أن لا تكتفي الدولة بوضع النصوص القانونية بل يجب أن يكون ذلك مرتبطا بخطاب وطني مؤسساتي يعكس تبني الدولة لتلك النصوص ومراهنتها على نفاذها..
الطبقة السياسية "المطلوب رأسها"
في المقابل أكدت الجامعية بأن المجتمع التونسي يعيش اليوم على وقع انقسام غير مسبوق يهدف إلى نبذ الاختلاف والقضاء على الآخر وإلغائه، معتبرة أنّ هذا الإنقسام الخطير أدّى إلى خشية الطبقة السياسية من الانخراط في قضايا هامة مثل قضية المرأة حتّى لا تجد نفسها في شقّ الطبقة السياسية "المطلوب رأسها ".
ووقفت الأستاذة سلسبيل القليبي في مداخلتها على دور القضاء صلب الدستور الجديد، معربة عن أسفها من تحويله هذه السلطة الى قضاء هشّ ومستضعف وقضاء وظيفي، منوهة بالممارسات التي سبقت صدور نص الدستور والمتعلّقة بعدد من القضاة والتي وصّفتها القليبي بمحاولة التقليل من شأن القضاء ومواصلة توظيفه.
وأضافت بأن ما يبعث أيضا على الانشغال هو ما اعتبرته "ذهنية القضاة" في حد ذاتهم، متسائلة في هذا الإطار هل أنّ لدينا قضاة يتمتعون بقناعة كافية تدفعهم لضمان الحقوق والحريات من أيّ انتهاك وهل أنّ لديهم تشبّعا كافيا وعقيدة راسخة مؤمنة بقضية الحقوق والحريات تدفعهم للدفاع عنها وعدم المساس بها؟
وتطرقت في المقابل الى ارتفاع نسبة الموقوفين تحفضيا والقابعين داخل السجون التونسية في انتظار محاكمتهم وهو ما يعدّ أمرا لا تقبل به أيّ منظومة حقوقية حقيقية تعتبر أنّ المبدأ هو الحرية، مؤكدة انّ في تونس ومن بين ثلاثة موقوفين نجد منهم اثنين مازالوا لم يقضوا مدة عقوبتهم السجنية الحقيقية.
كما تحدّثت القليبي عن المحكمة الدستورية صلب الدستور الجديد معتبرة إياها "هشّة" وليست بالمكانة والقوة التي كانت عليها في دستور 2014 الذّي وسّع من اختصاصاتها وصلاحياتها مقابل التقليص من شأنها صلب الدستور الجديد، فضلا عن انتقادها طريقة انتخاب أعضائها التي انتفت عنها مبدأ التناصف بين المرأة والرجل، علاوة على ذلك تكوّنها من قضاة على مشارف التقاعد الوظيفي وهو ما يعني أنهم سيكونون أكثر محافظة من غيرهم من القضاة كما انّ المحكمة الدستورية لن تمثّل رهانا بالنسبة إليهم بحكم رتبتهم وأقدميتهمعلى حدّ تأكيدها..
واعتبرت القليبي أنّ عامل السن المتقدم سيساهم في غياب صورة الهيكل القضائي المتوازن والمنسجم بناء على تغيّر أعضاء المحكمة كل سنتين، وهو أمر من شأنه إضعاف الضمانات المتعلّقة بالحقوق والحريات بصفة عامة ولحقوق المرأة بشكل خاص.
مشروع تفكيك الدولة؟
كما تطرّقت القليبي إلى مسألة إلغاء الهيئات الدستورية المستقلة والاحتفاظ بهيئة الانتخابات "إكراها" على حدّ تعبيرها وهو ما عكسته الانتقادات التي وجّهها رئيس الجمهورية لكلّ الهيئات الدستورية المستقلة ومن بينها هيئة الانتخابات، معتبرة أن تخلي قيس سعيد عن هيئة حيوية وهي هيئة حقوق الإنسان يأتي في إطار مشروع تفكيك الدولة على حدّ تعبيرها، مشيرة إلى أن هذه الهيئة كانت مسخّرة بالأساس لضمان حقوق الانسان ولا تقتصر صلاحياتها فقط برصد الانتهاكات بل في القيام بتحقيق يطال كل الانتهاكات المناهضة للحقوق والحريات ثمّ إحالة النتائج الى القضاء وهو ما يعني بأنّها كانت هيئة لها سلطة كبيرة وتعتبر من بين آليات الضمان التي تم التخلي عنها.
بدورها شدّدت الاستاذة سلسبيل القليبي على أنّ الفصل الخامس يمثّل خطرا حقيقيا معتبرة إياه بمثابة "تغيير وجهة" البلاد الذي سعت إليه حركة النهضة سابقا تحديدا في إطار عملها بالمجلس التأسيسي لكن المجتمع التونسي تصدّى لجميع خططها التي كانت تهدف إلى "افتكاك" هذه البلاد.
مقارعة الفصل الخامس من الدستور الجديد
وتحدّثت الأستاذة سلسبيل القليبي عند تطرّقها إلى الفصلين الخامس والخامس والخمسين بالدستور الجديد عن "ثغرة قانونية" من شأنها أن تقارع الفصل الخامس، قائلة في هذا السياق "إنّ هذا الفصل (الخامس) يأتي في إطار أحكام عامة تتعلّق بدور الدولة لتحقيق مقاصد الإسلام أو الشريعة في ما يخصّ حفظ النفس والدين والعرض والحرية، أمّا الفصل 55 فمنطوقه يتحدث عن ضوابط وقيود الحقوق والحريات وهو يأتي في إطار أحكام خاصة جاءت صلب باب يتعلق بالحقوق والحريات، ونحن بذلك أمام تضارب لقواعد التأويل التي تنصّ على تقديم الخاص على العام بمعنى أنّ القاعدة الخاصة في مجال الحقوق والحريات الواردة بالفصل 55 هي التي يجب أن تقدّم على القاعدة العامة الواردة بالفصل 5 وبالتالي فإنّ الحريات الفردية الواردة بالباب المتعلق بالحقوق والحريات هي التي يجب أن تقدّم على حفظ العرض الوارد في الفصل الخامس".
وعلى ضوء هذا التضارب والتعارض في قواعد التأويل بين الفصلين الخامس والخامس والخمسين، اعتبرت سلسبيل القليبي بأنّه يمكن بالتالي "مقارعة" الفصل الخامس بقواعد التأويل المذكورة وأيضا مقارعته بعبارة "النظام الديمقراطي" التي تمّ إضافتها، فهذا النظام يقتضي التعددية والحق في الاختلاف والحق في الخصوصية ويأبى كل أمر ناسف لهذه المسائل، مشيرة إلى أن رئيس الجمهورية لن يتمكن بذلك قانونا من تطبيق مقتضيات الفصل الخامس للتضييق على الحقوق والحريات بناء على قواعد التأويل المذكورة.
وشدّدت القليبي على ضرورة أن يعي القاضي عند تطبيقه للقانون بهذه المسألة، كما يجب عليه أن يدرك بأنّ القيود على الحقوق والحريات ليس لها أيّ علاقة بمقاصد الشريعة بل هي على علاقة بضرورة يقتضيها نظام ديمقراطي.
لا وجود لاختلاف كبير بين النصين الدستوريين
وفي قراءة لما جاء في نص دستور الاستفتاء في ما يتعلق بالحقوق والحريات مقارنة بدستور 2014، اعتبرت الباحثة في القانون أميمة مهدي في مداخلتها بأنّه لا وجود لاختلاف كبير بين النصين الدستوريين، منوهة بضرورة قراءة ما جاء في الدستور الجديد عن طريق اتجاهين الأوّل يتعلّق بذهنية المجتمع التونسي وفق ما ذكرته الأستاذة سلسبيل القليبي أمّا الإتجاه الثاني فهو يسلّط الضوء على الضمانات والآليات التي تلعب دور حماية الحقوق والحريات..
وانتقدت الباحثة الرؤية المجتمعية المحافظة التي تم بناءً عليها وضع الدستور الجديد، كما انتقدت رؤية قيس سعيد للمساواة في الميراث وتحويله في نصّه الدستوري السلطة القضائية إلى وظيفة وهو ما يساهم في تكبيل دورها الحقيقي في حماية الحقوق والحريات.
وتطرّقت الباحثة أميمة إلى وجه الشبه الكبير بين الفصلين 49 في دستور 2014 والفصل 55 من دستور قيس سعيد، حيث أنّ لا فرق بينهما فكلاهما يتحدّثان عن الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمّنة بالدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها وهو ما يعني تنصيصهما على أنّ المبدأ هو الحرية والاستثناء هو الحرمان منها.
متابعة: منارة تليجاني